إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

1024

زهر الآداب وثمر الألباب

والقهر ، حتى لا يزاول خطبا إلا تذلَّلت به صعابه ، ولا يمارس أمرا إلا تيسّرت أسبابه ، ولا يروم « 1 » حالا إلا أذعن لهيبته وسلطانه ، وخضع لسيفه وسنانه ، وذلّ لمعقد لوائه ، ومنثنى عنانه ، إلى أن ينال من آماله أقاصيها ، ويملك من باغيه أزمّتها ونواصيها [ ويسامى الثريا بعلوّ همته ويناصيها ] . وله فصل : إنما أشكو إليك زمانا سلب ضعف ما وهب ، وفجع بأكثر مما أمتع ، وأوحش فوق ما آنس ، وعنف في نزع ما ألبس ؛ فإنه لم يذقنا حلاوة الاجتماع ، حتى جرّعنا مرارة الفراق ، ولم يمتعنا بأنس الالتقاء ، حتى غادرنا رهن التلهّف والاشتياق ، والحمد للَّه تعالى على كل حال يسئ ويسر ، ويحلو ويمر ، ولا أيأس من روح اللَّه في إباحة صنع يجعل ربعه مناخى « 2 » ، ويقصّر مدة البعاد والتراخى ، فألاحظ الزمان بعين راض ، ويقبل إلىّ حظَّى بعد إعراض ، وأستأنف بعزّته عيشا سابغ الذيول والأعطاف ، رقيق المعاني والأوصاف ، عذب الموارد والمناهل ، مأمون الآفات والغوائل . وله فصل : أنا أسأل اللَّه تعالى أن يردّ على برد العيش الذي فقدته ، وفسحة السرور الذي عهدته ؛ فيقصر من الفراق أمده ، ويعلو للالتقاء حكمه ويده ، ويرجع ذلك العهد الذي رقّت غلائله ، وصفت من الأقذاء مناهله ، فلم أتهنّأ بعده بأنس مقيم ، ولا تعلَّقت يوما إلا بعيش بهيم . فلو ترجع الأيام بيني وبينه بذى الأثل صيفا مثل صيفي ومربعى أشدّ بأعناق النوى بعد هذه مرائر إن جاذبتها لم تقطَّع وما على اللَّه بعزيز أن يقرّب بعيدا ، ويهب طالعا سعيدا ، ويسهّل عسيرا ، ويفكّ من رقّ الاشتياق أسيرا .

--> « 1 » لا يروم : لا يطلب ، وأذعن : خضع وذل ( م ) « 2 » المناخ : موضع الإناخة ، وأصلها بروك الإبل ، وأراد بها الإقامة ( م )